
إن المتأمل لواقع أمتنا الإسلامية وما تعانيه من تأخر في جميع مجالات الحياة العلمية والهندسية والإدارية والإنسانية بالرغم من وجود أفضل الخبرات والكفاءات والإمكانيات يعلم أن المشكلة تكمن في عدم وجود قادة أكفاء حملوا على عاتقهم خدمة هذه الأمة والمساهمة في خدمة وتنمية المجتمع والحث على المبادرة والعمل التطوعي ويؤيد قولي الدكتور طارق السويدان في أحد البرامج التلفزيونية عندما ذكر أن مشكلة الأمة تكمن في عدم وجود قيادات تقودها نحو الهدف المنشود وعندما أطلقها محب الدين الخطيب مدوية : (أمتنا إلى خير ولكن بحاجة إلى قادة) كان يعي ذلك.
كان يعني الحاجة الحقيقة للقادة وللقيادة. للقيادة المؤمنة الصادقة المخلصة المضحية. فكما يذكر الشيخ يوسف القرضاوي في كتابه الإيمان والحياة أن مفتاح الشخصية الإسلامية والعربية على وجه خاص هو الدين، هو الإيمان، هو عقيدة الإسلام.
نحن قوم مؤمنون وهذه قضية بدهية، يجب أن يلتقي على حمايتها وتثبيتها وإشاعتها قلم الكاتب، ولسان الخطيب، وفكر الفيلسوف، ووجدان الشاعر، وريشة المصور، وتقنين المشرع، وسلطان الحاكم، وقوة الجيش، ورقابة الشعب .
إن الأماني الوردية حول قيادة أمتنا للعالم تداعب أخيلة الكثيرين منا، وتدغدغ مشاعرهم، لكن لا أحد يسأل عن آليات تحقيق ذلك، ولا عن الإمكانات المطلوبة للسير في طريقه!
ولقد حث الحبيب المصطفى صلى الله عليه وسلم على ضرورة القيادة فقال عليه الصلاة والسلام ( إذا خرج ثلاثة في سفر فليؤمروا عليهم أحدهم )[1] , كما أمر الرسول على اختيار القائد الذي يستطيع أداء العمل الموكل إليه بحيث يختار الشخص الأفضل من بين الأشخاص لحسن قيامه بالعمل وليس لشيء آخر كما يروي الحارث بن يزيد الحضرمي عن ابن حجيرة الأكبر عن أبي ذر قال قلت يا رسول الله ألا تستعملني قال فضرب بيده على منكبي ثم قال( يا أبا ذر إنك ضعيف وإنها أمانة وإنها يوم القيامة خزي وندامة إلا من أخذها بحقها وأدى الذي عليه فيها)[2]
كما أنه صلى الله عليه وسلم حذر وأنذر من التساهل بالقيادة وأمر المسلمين بأحاديث كثيرة منها قوله صلى الله عليه وسلم ( ما من أحد يكون على شيء من أمور هذه الأمة قلّت أم كثرت فلا يعدل فيهم إلاّ كبّه الله في النار )[3] .
وقال صلى الله عليه وسلم ( أيما رجل استعمل رجلا على عشرة أنفس علم أن في العشرة أفضل ممن استعمل فقد غش الله وغش رسوله وجماعة المسلمين )[4] .
لقد فهم السلف هذا المعنى، ونادوا بتحمل المسؤولية وإصلاح النفس ومحاسبتها والقيام عليها بالمتابعة والرقابة؛ فهذا عمر بن الخطاب ـ رضي الله عنه ـ يقول: (حاسبوا أنفسكم قبل أن تُحاسبوا، وزِنوها قبل أن توزنوا…) ويقول الحسن البصري ـ رحمه الله – (المؤمن قوَّام على نفسه يحاسبها لله)[5] وهذا ابن القيم ـ رحمه الله ـ يحذر من إهمال النفس وعدم القيام عليها فيقول: (أضر ما على المكلف الإهمال وترك المحاسبة والاسترسال وتسهيل الأمور وتمشيتها؛ فإن هذا يؤول إلى الهلاك، وهذا حال أهل الغرور، يغمض عينيه عن العواقب ويمشّي الحال، ويتكل على العفو، وإذا فعل ذلك سَهُل عليه مواقعة الذنوب، وأنس بها، وعسر عليه فطامها.. إلخ)[6]
[ اقتباس من بحث أعددته تحت عنوان تطوير المهارات القيادية ]
[1] سنن أبي داوود , وهو حديث حسن صحيح .
[2] صحيح مسلم .
[3] المصدر السابق
[4] المصدر السابق
[5] إغاثة اللهفان
[6] المرجع السابق .
آخر النقاشات